سامية العنسي في السبعينات

سامية العنسي.. فتاة الإذاعة في الزمن الجميل (صور)

كتب: مهيب زوى

منتصف سبعينيات القرن الماضي، في حي المطبعة (صحيفة الجمهورية) القريب من ميدان الشهداء بتعز، اعتادت طفلةٌ عائدةٌ من المدرسة حاملة حقيبتها، أن تُحدث الكثير من الضوضاء، يتحلق حولها الأطفال، تلقي لهم القصائد والأناشيد كما تفعل في إذاعة طابور الصباح، ولم تتخيل أنها ستكون يومًا، الصوت الذي يترقبه الأطفال من خلال أثير إذاعة تعز المجاور للحي على بعد 500 متر.

سامية العنسي.. صورة خاصة بأنسم

أحبت سامية العنسي الاذاعة المدرسية ملقية القصائد أو الفقرات الموكلة اليها ضمن الإعداد: ” كنت ألجأ لوالدي و أحرص أن يكتب لي أي موضوع أو قصيدة لألقيها في الإذاعة المدرسية أثناء طابور الصباح، لأية مناسبة: عيد الأم أو عيد الثورة.. كنت أحرص دومًا أن أكون أول المشاركين”.

و” نقلت هذا الشغف إلى الحي، خاصة في العطل، كان لابد أن أعيش الجو الذي أعيشه في المدرسة، كنت استخدم علب العصير الفارغة بعد أن أصنع فيها ثقوبًا، كـ ميكروفون وأبدأ بإلقاء القصائد والأشعار والكلمات على أطفال الحي”. قالت لـ البوابة اليمنية للصحاف الإنسانية – أنسم.

إلى أثير الإذاعة

كان شاعر الثورة محمد ناصر العنسي يراقب ابنته الصغيرة المولودة في 6 يناير 1962 ويدرك شغفها للمايكروفون، وفي العام 1976 كانت إجازة الصيف قد بدأت وانتهت سامية دراستها للصف الثاني إعدادي، حين طلب إليها والدها أن تقرأ قصيدة له ليستمع لأدائها الذي يراقبه منذ سنوات.

تقول سامية العنسي: “أخذني والدي من يدي إلى مبنى إذاعة تعز وقابلت الأستاذ عبد القدوس الشامي -مدير الإذاعة حينها- وأعطاني جملة نحوية لأقوم بإعرابها ليتحقق من إتقاني قواعد النحو والصرف”.


تدرجت سامية من برامج الأطفال في إذاعة تعز إلى مجلة الإذاعة ونشرات الأخبار وفي 1978 بدأت تجربتها التلفزيونية

وأضافت لـ أنسم:” كنت دومًا استمع للراديو، ولم أكن أدرك أنني سأدخل يومًا هذا المبنى، وكنت أجول معهم برهبة، وأقول في نفسي: (أنا سامية سيسمع الناس صوتي من هنا!).. فطلب الشامي أن يعمل تيست لصوتي، ويختبر أدائي”.. لتنجح الفتاة ذات الـ 14 ربيعًا في أن تنضم لفريق برامج الأطفال معية الإذاعي الكبير عبد الله عمر.

شغف العمل بالإذاعة الطالبة التي كانت تذهب لمدرستها صباحًا وتسرع مساءًا للعمل في الإذاعة، ما جعل والدتها تستغل ذلك كأسلوب تربوي فتفرض عليها بعض الأعمال مقابل الذهاب للإذاعة، ” كانت أمي تحدد لي وقت معين، وتفرض علي أن أصلي وأن أقوم ببعض الأعمال المنزلية وإلا فلن تسمح لي بالذهاب للإذاعة” قالت.

وتضيف مبتسمةً، معبرة عن شغفها: “ذات مرة كنت أصلي وعندما بدأت بالتسليم، التفتُ يمينًا وبدون شعور قلت (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سامية العنسي إذاعة تعز) وسمعتني أختي التي علَّقت( لهذي الدرجة الإذاعة أكلت مخك)”.

عزيمة وإصرار

البطاقة الوظيفية في إذاعة في 1978

لم تتوقف الطفلة التي كانت تقدم برامج الأطفال – خلال عام كامل – عند ذلك الحد، فقد نضج صوتها وأداؤها، ليتم اتخاذ قرار انتقالها إلى ميكرفون “مجلة الاذاعة” 1977 لتصبح موظفة رسمية.

تقول صاحبة الرقم الوظيفي 339 في المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون فرع تعز لـ أنسم: “حينها لم أكن أعرف أن الإذاعة تتبع دولة وأنه ممكن أكون موظفة و أنني يومًا ما سأتقاضى مقابلًا لصوتي.. فقط كنت مستمتعة بأن الناس تسمعني وإنني في عالم جديد من المعرفة والمعلومات خارج إطار المنهج الدراسي، ما زادني ارتباطًا وتمسكًا بالعمل وبدأت أشارك الأستاذ عبد الله عمر مجلة الإذاعة وبعدها رفقة علي إسماعيل حسين”. قالت باعتزاز.

عامان في إذاعة تعز قضتها سامية، تدرجت خلالهما من برامج الأطفال إلى مجلة الإذاعة وقراءة النشرات الإخبارية، لتبدأ مرحلة جديدة في 1978، حينما قررت وزارة الإعلام بدء تجربة بث تلفزيوني من محافظة تعز، لتكون سامية رفقة عايدة الشرجبي (التحقت بالإذاعة في 1977) في مهمة تدريب في تلفزيون صنعاء لثلاثة أشهر.

تقول سامية:”كانت تجربة بث التلفزيون من تعز – رغم قصرها – مهمة بالنسبة لي، توسعت خلالها مداركي ونضج أدائي، اكتسبت الخبرة في قراءة الأخبار وإدراك قواعد وأبجديات الأداء الإخباري لأنه يختلف تمامًا عن أي أداء برامجي آخر” .

تلفزيون وإذاعة صنعاء

عندما انهت سامية الثانوية العامة في تعز في العام 1980، كانت عينها على صنعاء – 265 كم شمال تعز- لتلتحق بالجامعة، إذ لم يكن في تعز جامعة بعد، فانتقلت للعمل في تلفزيون صنعاء الذي استمرت فيه عامين متتاليين تقرأ نشرات الأخبار وتشارك في عدد من البرامج على الهواء، لكنها فضلت عدم الاستمرار والعودة للإذاعة، “العمل التفزيوني لم يرحني كثيرًا وكان عشقي للميكروفون والكلمة لإيصال رسالتي للناس عبر أثير الإذاعة هو الطاغي”، قالت.


لـ 33 عامًا ارتبط اسم سامية العنسي بـ “نزهة الجمعة” رفقة المحبشي والسياني في إذاعة صنعاء

وتضيف سامية التي كانت تحرص على حضور محاضراتها في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة صنعاء: “كان مبنى الإذاعة قريب من الجامعة ومن بيتنا أيضًا، فكان الأمر مواتيًا أكثر للاستقرار، أدرس وأعمل في نفس الوقت”.

لـ 33 عامًا ارتبط اسم سامية العنسي بالبرنامج الإذاعي “نزهة الجمعة” في إذاعة صنعاء، إلى جانب الفترات المفتوحة (ثلاث ساعات) التي استمرت في كتابتها لفترة طويلة وارتبطت بقضايا الناس.

تقول سامية ” نزهة الجمعة حببني في الناس وحبب الناس فيني”، و كانت تقدمه مع المرحوم محمد المحبشي وبعده مع علي السياني حتى بداية 2015، إذ بدأت أحداث الحرب بالتنامي-حتى اللحظة- ، فقررت سامية أن تتوقف عن العمل..” اضطررت للتوقف بسبب الأحداث، ابتعدت لأن الكلمة مسؤولية، إما أن أقولها في مكانها و بإيمان وقناعة أو أن أجلس بالبيت”. أوضحت سامية.

40 عامًا خلف الميكرفون

20 أغسطس 2018 الساعة التاسعة صباحًا، كان صوت سامية العنسي يطل مجددًا من صفحتها على الفيس بوك بعد ثلاث سنوات من اختفاء ذلك الصوت الذي رافق الأثير لـ أكثر من 40 عامًا.. دقيقتان وعشر ثواني فقط كانت كفيلة أن تعيد لنا “سامية الإذاعة” بصوتها الدافئ ولغتها الجزلة، لتختتم رسالتها الصوتية بـ: “صديقتكم سامية محمد العنسي”.

 

بحسب الكاتب الصحفي عبد الرحمن بجاش، فإن سامية العنسي قدمت من عمق محمد ناصر العنسي الذي كان صوته يدوي في ميدان الشهداء شاعرًا للثورة يبشر بالمستقبل، فدوى صوتها في الإذاعة.

ويضيف بجاش في مقاله “نون والقلم” تحت عنوان سامية الإذاعة: “ساميه العنسي تمثل جيلًا إذاعيًا رائدًا ومتألقًا ترك بصمته وذهب – للأسف الشديد – حتى بدون كلمة شكر، مازلت أتذكر احترامًا وتقديرًا لها ولصوتها الذي أتى إلينا بكل مفيد والوزير يقول لي: ما رأيك من يذهب إلى لندن رفقة الأسبوع الثقافي، أنت أو ساميه العنسي؟! فقلت فورًا: سامية.. ولم أكن قد عرفتها وجها لوجه”.

الفنان علي الآنسي وسامية العنسي والاعلامي محمد دحوان، محطة التليفزيون صنعاء مطلع ثمانينات القرن الماضي| عدسة عبد الرحمن الغابري

رهبة الميكروفون

بالنسبة لسامية فإن علاقتها مع الميكروفون علاقة عشق لا تنتهي، ولتجربتها الإذاعية فلسفة خاصة أيضًا، تقول: “للميكرفون رهبته وهيبته وكل من أراد أن يضع بصمة لابد أن يخاف من الميكروفون، ولأنني كنت صغيرة عندما بدأت تجربتي وممارسة شغفي، ربما لم أكن أفكر كثيرًا بذلك”.

وتضيف لـ أنسم: “كان للإعلام رهبة غير إعلام اليوم خاصة أن مجتمعنا لفترة طويلة يتعامل مع الإعلام بأنه إعلام دولة وموجة، مرتبط بالسياسة والدولة وأخبار الرئيس، كانت نظرة مهيبة، وعندما كنت أذهب لوردية نشرة أخبار على الهواء كان قلبي يدق بقوة قبل ما أخرج من البيت”.

وتوضح: “كانت المواد والخارطة الإذاعية مواد مسجلة وليس على الهواء، لهذا كانت الرهبة تسيطر مع نشرة الأخبار وتتطلب مزيد من التحضير، فأي خطأ ستدفع ثمنه”.

وترى سامية التي تحمل ليسانس لغة عربية من كلية الآداب جامعة صنعاء 1985 ودربت العديد من الإعلاميين الشباب، أن الموهبة هي المعيار الأول لتستمر بعملك كمذيع ناجح أو لتثبت جدارتك، “فموهبتك هي التي تعينك للتميز”.


الاستماع قيمة.. والمذيع الناجح يمتلك من المتلقي استماعه وخياله


وتشير إلى أن الاإعلام الخاص نافس الإعلام الرسمي خصوصًا عقب عام 2011، لكن الكوادر ليست مؤهلة بما يكفي لاستيعاب التجديد في الرسالة والهدف، وتابعت: “مخرجات كليات الإعلام لم تضف للعمل الإعلامي  سوى الكم وانفتاح الاسر اليمنية على قبول هذا التخصص خصوصًا للفتاة، لكن هذه الكليات ربما لم تستوعب الملتحقين فيها عمليًا ونظريًا بسبب قلة الإمكانات ربما وانعدام التخصصات الفنية فيها”.

وأضافت لـ أنسم: “كشف الواقع الإعلامي سطحية التأهيل من خلال سطحية الرسالة وهشاشة الكلمة التي نسمعها من أثير العديد من الإذاعات التجارية التي يهمها التربح المادي لا التأثير القيمي في نفوس الناس”.

الاستماع قيمة

“بالنسبة لي العمل الإذاعي أرقى بكثير من العمل التفزيوني وأكثر تعقيدًا، لأنه إعلام مسموع، لكنه مرئي في نفس الوقت، فإحساسك وصوتك وقدراتك هي التي تمكنك من إيصال الرسالة إلى المستمع، فهي تصل عبر خيال المتلقي واستماعه وليس السمع” قالت سامية، وأردفت: “الاستماع قيمة”.

وبلغة خبير رافق المايكروفون أربعة عقود تفصح سامية لـ أنسم عن سر عدم استمرارها في التلفزيون: “في الإذاعة أمامك الميكروفون وأحساسك وإيمانك بالكلمة ومحبتك لها، ثلاثة فقط: صوتك والكلمة (لغتك) والمايكرفون ولا أحد رابعكم: لا مظهر، لا شكل، لامكياج ولا تصنُّع”.

وتضيف: ” التلفزيون ينتقص من حق الكلمة ورسالتها لأن المُشاهد تجذبه الصورة، وإذا لم تكن بالشكل المطلوب لن يلتفت إلى ما تقوله، حتى لو كان ما تقوله مهمًا، بالأخير هو سوف ينتقد شكلك، صورتك.. لكن، في الإذاعة، الأمر مختلف وأكثر رقيًا”.


إذاعتي صنعاء وتعز احتضنتا عمالقة العمل الإعلامي ولو عاد بي الزمن لن أكون سوى المذيعة سامية العنسي


في الصدارة

و “على الرغم من التطور التكنولوجي للفضائيات والإنترنت، ظلت الإذاعة في المقام الأول لأي مستمع في العالم، وسيلة بسيطة متاحة من أي مكان، لها خصوصية الرفقة الدائمة وجمال فاق التلفزيون”.

وتتابع: “صدقني أن إذاعتي صنعاء وتعز احتضنتا عمالقة العمل الإعلامي بشكل عام، وإذاعة صنعاء أعتبرها إذعة أمة ووطن وشعب وهوية، شكلت الثقافة: الوطنية، العاطفية، المعرفية والتربوية”.

وأضافت: “تعاملنا مع المهنة بإخلاص لدرجة نسينا حقوقنا وذبنا في العمل والرسالة بصدق، مع تجاهل أصحاب الشأن لحقوقنا كمذيعين أفنينا عمرًا في هذه المهنة دون أي تقدير أو احترام للكفاءة والمعايير، لكن، لا أنكر أن صدى محبة الناس الذي يتهادى إلى مسامعي من وقت لآخر، يسعدني و يخفف ألم الإحساس بالغبن و هذا يكفيني”.

و “لو عاد بي الزمن لن أكون سوى المذيعة سامية العنسي، لكنني أكيد لن أكرر نفس الخطأ و سأناضل من أجل حقوقي”،قالت سامية.

سامية العنسي

 السابق 1 من 6 التالي 

سامية العنسي والدكتور عبد العزيز المقالح اثناء برنامج رمضاني

سامية.. سيرة ذاتية

سامية وعلي السياني في نزهة الجمعة

المصدر | مادة خاصة بـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم 

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص