المقاوم الجنوبي، المقاوم الشمالي أن تركب على حصان، أو تركب على جمَلين

 

فيما لو بقي جنوب اليمن في قبضة الحوثيين فإن الخلاص من تلك الميليشيا البربرية كان سيصبح أمراً بعيد المنال. استعادت المقاومة الجنوبية محافظات الجنوب، مسددة ضربة مذلة لتحالف صالح ـ الحوثي. ذلك هو الصنيع الكبير الذي قدمه الجنوب للشمال على طريق التحرير، ولكن الشمال، كالعادة، راح يهاجم المقاومة الجنوبية لأنها لم تواصل معاركها في الشمال.
 
الشمال انقسم إلى جماعة تلعن السعودية، جماعة تهجو الإمارات، وجماعة تلعن الاثنين معاً.. وحزام خفيف من المقاومة مثلت تعز ومأرب واجهته الأكثر بروزاً. الشمال الكسول المليء ب "العرب" المرتزقة، والعرب الملكيين، والعرب الجبناء ..
 
خاض الجنوبيون حرباً يعرفون ماذا يريدون منها، مؤمنين بطهارة السلاح وبالمشروعية الأخلاقية للجيش العربي المساند لهم في تلك الحرب. كل التقارير المحلية والخارجية التي تحدثت عن "حرب السعودية على اليمن" كانت تنقل الصورة من صنعاء بوصفها اليمن، وعلى لسان الطبقة الملكية هناك ـ وهي خليط من الهاشمية والطبقة القضائية ـ بوصف ذلك الخليط الملكي من الناس هو الشعب اليمني. انتصر المقاوم الجنوبي، ودفع الغزاة البرابرة خارج أرضه، الأرض المعرفة سياسياً، وبقي الشمال لا يستقر على فكرة ولا يقف عند حدود معركة.
 
تحتفظ الناشطة العدنية وردة بن صميت، وكانت تعمل في المدينة إبان الحرب، بحكايات يومية مثيرة تتعلق بالتناغم الشعبي العام في محافظات الجنوب فيما يخص الكفاح المسلح ضد البربرية التي أرادت أن تنقل الملكية الإمامية من الشمال إلى الجنوب. ففي واحد من مستشفيات مدينة عدن أحضرت سيارات الإسعاف أسرة أصيبت بقصف لطيران التحالف، كانت الأسرة تسكن على في دار سعد على تماس مع الموجات المتقدمة للحوثيين. تقول بن صُميت، وكانت ترصد الحالات الجريحة، إن سيدةً من الأسرة قالت لها بحسم: أصبنا في قصف لطائرات التحالف، لكن لا تقولي للناس هذه القصة، هؤلاء جاؤوا لمساعدتنا.
 
سيدة من عامة الناس تعي، بغريزة طبيعية، فكرة الجبهة في الحرب، لأنها تدري جيداً ماذا تريد من المعركة.
 
في مديرية نِهم، صنعاء، أصاب طيران التحالف ما قال إنه رتلا عسكرياً حوثياً. ناشطو المقاومة الشمالية، والحوثيون، نشروا معلومات وأرقام دفعت التحالف إلى الوراء. لا يتعلق الأمر بالحقيقة، بل بالتيه. في المحصلة تراجع التحالف خطوات إلى الوراء، واكتفى بما أسماه عسيره "العمليات العسكرية الجراحية"، أي العمليات المحدودة في المكان والزمان، والتي لا يمكنها أن تغير في طبيعة المعركة.
 
لم يتقص أحد الحقيقة عندما تعلق الأمر بما جرى للسوق الشعبية في نهم. غير أن المقاومة الشمالية كانت على مر الأيام مستعدة لمهاجمة الحلفاء بكل الوسائل. لم يمض سوى يوم واحد حتى كان عبد الرحيم صابر يدين بشدة، على لسان بان كيمون، المذبحة في سوق خلقة في نهم، قائلاً إن ضحاياها تجاوزوا السبعين. قام أحد الصحافيين، مراسل قناة دولية كبيرة، بمراسلة صابر متسائلاً عن مصدر الأرقام والمعلومات، فكان رد الرجل إنهم اعتمدوا على ما يُنشر. ولكي يفلت من الإحراج المهني نصح صابر المراسل الصحفي قائلاً "إذا كان الخبر غير صحيح نصيحتي أن تراسلوا المبعوث لتصحيح الخبر". أما الصحافة في بريطانيا فقد شكلت جماعة ضغط واسعة، امتدت حتى وصلت إلى ألمانيا ودول أوروبية أخرى، تطلب من المجتمع الدولي الضغط على السعودية. اعتمدت تلك الصحافة أيضاً ما يكتبه الناشطون في شمال اليمن ضد التحالف العربي، ولم تكن الصورة كذلك في الجنوب. وبالضرورة فإن الشمال والجنوب تشابهت المقدمات واختلفت النتائج لاختلاف السبيل. استطاع الشمال اليمني أن يطيح بحلفائه بدرجة ما..

في أوروبا تعيش سلالة أولئك الذين استهدفهم الآباء المؤسسون لثورة ٢٦ سبتمبر، ولديهم رواية مختلفة عن ما يجري في اليمن. عندما انتهت الثورة الأقدم بتسوية عامة تقضي بالاعتراف بالجمهورية انتقل الملكيون وأدوات الملكيين، من قضاة وعسكريين وأئمة مذهب وتجار، إلى الجمهورية وهيمنوا عليها. وبحسب رواية الإعلامي عبد الله الحرازي، فالذين كانوا "يفكون الخط" بعد قيام الجمهورية انفكت أمامهم كل الخطوط حتى الآن!
 
الحقيقة إنهم احتكروا التعليم في زمن الملك، ثم احتكروا الجمهورية والمال والتعليم في زمن الرئيس.
 
وما إن دخل الحوثي صنعاء في ال ـ ٢١ من سبتمبر ٢٠١٤ حتى منحوه ولاءهم بلا تردد، فكما كانوا أدوات الملك الجد في السابق فسيكونون أدوات الملك الحفيد في اللاحق. فهم غير معنيين بالديموقراطية ولا الجمهورية، بل بسلامة الطرق التي ستنقل إليهم اللبان والحرير من المحافظات البعيدة إلى مخازن العاصمة. ذلك هو اليمن الذي يفهمونه، اليمن الذي يجبي إليهم ثمرات كل شيء. وهو اليمن الذي سيحمونه بالدم، وسيذودون عنه، فليس بالأمر اليسير أن تذهب الثمرات إلى جهات أخرى، وأن يأكل الآخرون.
 
قبل دخول صنعاء بأسبوعين تحدثت إلى السفير الجائفي، ابن عم قائد الحرس الجمهوري، فقال لي بوضوح إن الحوثيين طلبوا من ابن عمه الحياد مقابل أن يكون رجلهم بعد "الحدث الكبير". سألته عن الحدث الكبير ذلك، فقال لا نعلم، ولكن يبدو أنه سيكون كبيراً. وعندما قلتُ له: عبر من قدموا له ذلك العرض؟ قال عبر قادة عسكريين كبار كانوا على مر السنين يقدمون أنفسهم كسبتمبريين أحرار.
 
وفي نصف نهار كان الجيش اليمني كله قد أصبح في قبضة رجل دين لم يتجاوز الأربعين من عمره. انتهت العملية الكبيرة تلك بحرب كبيرة كان طرفاها الجيش والشعب، في الأساس. بقوة نار رهيبة تحرك الجيش، وقد انتقل في حركة واحدة من كونه جيش الجمهورية إلى جيش الملِك، وخاض حرباً ضد الشعب. من الصعب نسيان كيف سحق ذلك الجيش مدينة الضالع وحولها إلى مدينة أشباح، ولا كيف سحق أحياء كاملة في لحج، ولا كيف صارت مديريات كاملة في عدن خالية سوى من أصوات كلاب بعيدة، ولا أكثر من ٥٠ ألف قذيفة مدفعية وصاروخية على مدينة تعز.
 
قاوم الجنوبي، وذهب بعيداً في نضاله حد خروجه إلى الشارع حاملاً علم ملكة انغلترا. لقد تشبث بكل الحجارة وكل الجهات لأجل أن ينعتق من الرعب الذي تدفق عليه عشرات المرات من الجبال. وبدلاً عن أن يخجل المثقف والناشط في الشمال وهو ينظر إلى القبائل وقد صارت آلة موت ترسل أبناءها إلى كل مكان للقتل والخراب راح يصب غضبه على المقاومة الجنوبية التي قدمت له صنيعاً عظيماً عندما كسرت الحوثي في كل المنازلات، وقالت له: اكمل أنت الباقي، ولم يفعل. على الحر في الشمال أن لا ينبس ببنت شفه وهو يرى ما فعلته صنعاء ـ بيت الداء ـ وحزامها باليمن. وإذا كانت السلطات في عدن قامت بترحيل ٥٠٠ شاباً، بصرف النظر عن المشروعية الأخلاقية لذلك الفعل، فإن أبناء القبائل القادمين من ذمار وصنعاء صنعوا في تعز مسرحاً دموياً كلفته الإجمالية: ٢٠ ألف قتيل وجريح، بحسب بيانات وزارة حقوق الإنسان! لا ينبغي أن تنبسوا ببنت شفة وأنتم ترون هذه الحقيقة، يا عرب الشمال!
احفظوا هذه جيداً:
 
قاتلت صنعاء بكل فئاتها، مدفوعة بإغواءات الطبقات الرفيعة التي أكلت الجمهورية وقررت أن تنتقل إلى الملكية أو تركب الجملين معاً. قاتلت بشراسة ضد فكرة الانتقال إلى نظام فيدرالي. لا تستحمل صنعاء، بطبقاتها المتخمة والطفيلية، مسألة إعادة توزيع السلطات. كان الحِجَاج الأهم لرفض الفيدرالية هو الميزانية التشغيلية الباهضة لنقل السلطة إلى الأقاليم، قدرت في يوميات الحوار الوطني بحوالي ١٧ مليار دولار. لأجل أن تحول دون الفيدرالية ذات الكلفة الباهضة راحت صنعاء وحزامها تخوض حرباً قذرة سوت كل شيء بالأرض. ومؤخراً سألت السفير أحمد ع. بن مبارك عن تقديرات الحكومة اليمنية لميزانية إعادة الإعمار فقال: حوالي ١٣٠ مليار دولار. هذه هي المرافعة التي قدمتها صنعاء ضد الفيدرالية، وهكذا كانت على الدوام معادلات صنعاء، صنعاء الملكية المليئة بالعرب الراكبين على جَمَلين!

تحت سلطة صنعاء عاش ٢٣ مليون نسمة في ما يمكن أن نسميه: اليمنيون غير المرئيين. ففي أولى جلسات الحوار الوطني تحدث فهد كفاين، ممثل سقطرى، قائلاً إن الطيران الوطني يفرض على مرضى الجزيرة رسوم تذاكر دولية مقابل نقلهم إلى المكلا أو صنعاء. ولم تكن سقطرى فقط المنسية، كان اليمنيون خارج صنعاء وحزامها هم اليمنيين المنسيين. ورأينا كيف كدس حميد الأحمر والشائف وبن صغير وأبو حليقة والرويشان وتوفيق صالح .. إلخ مقادير من الثروة تكفي لتشغيل كل دول أفريقيا جنوب الصحراء. كانت المعادلة فاسدة منذ البدء: مقادير عظيمة من الثراء مع مستويات متدنية من العقل وبلا إنتائج للبضائع أو الخدمات. وكانت النتيجة الرياضية: لا يمكن أن يكون ذلك العقل الصغير منتِجاً لتلك الثروة. أحاط صالح نفسه بطبقات ثرية، ورثها في الأساس من العهد الإمامي، ثم وسع ثراءها. بعد العام ١٩٩٠ جلب إليها أرض الجنوب، ولأول مرة منذ مئات السنين وصلت أقدام الملكيين إلى أراضي الجنوب، لكنهم دخلوها في جلباب الجمهورية. وعندما حانت اللحظة لبسوا زي الملكية وأطلقوا النيران.
 
سنة وشهران ولا تزال الرواية اليمنية، رواية اليمن العالي، تراوح مكانها: العدوان السعودي على صنعاء.
 
قامت صحفية ألمانية بدراسة اتجاهات الرأي في تويتر فيما يخص الحرب الراهنة. وكما هو متوقع كانت نتائج دراستها: يتجه غالبية المدونين باللغة الإنجليزية إلى إدانة التدخل العربي العسكري، ويتجه غالبية المدونين باللغة العربية إلى الترحيب بذلك التدخل. ينتمي المدونون باللغة العربية إلى اليمنيين غير المرئيين، من الذين لم يحصلوا على تعليم حديث. المدونون باللغة الإنجليزية ينتمي أغلبهم، بالضرورة، إلى الطبقات التي هيمنت على الجمهورية وحولت كدح الشعب اليمني إلى نصيب من الثروة، أي أولئك الذين كانوا يسافرون في كل الدنيا عندما كان اليمنيون يطبخون الوزف ويتداوون بسليط الجلجل!
 
بالنسبة لليمنيين غير المرئيين فإن الفيدرالية عملية حيوية وضرورية ربما ستمكنهم من رؤية اليمن الذي لا يراهم. أما أولئك الأثرياء فإن توزيع السلطة، أو تفريغ المركز، سيصيبهم في مقتل. فقد اعتادوا على أن يمتصوا كل شيء بلا جهد، وليست الجمهورية اليمنية بالنسبة لهم شيئاً مختلفاً عن المملكة المتوكلية الهاشمية. فهم يراكمون الثورة في الحالين، ولا موقف سوى واحد: ان تبقى صنعاء الباب العالي، إليها يجبى كل شيء. وصنعاء هنا ليست شارعين أو ثلاثة، بل حزاماً جبلياً واسعاً تعيش عليه القبائل، مستعدة على الدوام لنقل السلاح من كتف إلى كتف، ويعيش فيها الجمهوريون الملكيون، والملكيون الجمهوريون، والجملكيون القتلة، وعرب كثيرون .. يركبون على جَمَلين!

نسعد بمشاركتك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص